كشف تقرير نشره موقع «نون بوست» أن إنشاء إسرائيل قاعدة عسكرية جديدة في منطقة رفح الفلسطينية، بالقرب من الحدود المصرية، يضع الأمن القومي المصري والسيادة المصرية أمام اختبار بالغ الحساسية، في ظل ما تكشفه صور الأقمار الصناعية من إنشاء تحصينات ومنشآت عسكرية على أنقاض قرية فلسطينية.
ويرى التقرير أن هذه الخطوة تتجاوز مجرد التوسع العسكري الإسرائيلي داخل قطاع غزة، لتثير مخاوف بشأن انتهاك الترتيبات الأمنية الموقعة بين القاهرة وتل أبيب، وفرض واقع عسكري جديد على الحدود المصرية.
وبحسب تقرير «نون بوست» بدأت القضية تتصدر الاهتمام الإعلامي في 3 أغسطس، بعدما نشر آفي شارف، الصحفي الإسرائيلي في صحيفة «هآرتس»، مقاطع مصورة على منصة «إكس»، التقطها مستوطن إسرائيلي ونشرتها منظمة الاستيطان «نحالا» داخل مجموعة خاصة لأعضائها على تطبيق واتساب. وأظهرت المقاطع، على ما يبدو، قاعدة عسكرية إسرائيلية حديثة الإنشاء في منطقة رفح، أُقيمت على أنقاض قرية فلسطينية، وتضم تحصينات ومنشآت وبنية تحتية، من بينها طريق معبد ونقاط مراقبة مرتفعة.
وعقب تداول المقاطع، نشرت وسائل إعلام عبرية ومصرية تقارير عن القاعدة العسكرية الجديدة القريبة من الحدود المصرية، مستعينة بصور الأقمار الصناعية لتحليل موقعها وتخطيطها والمنشآت الموجودة بداخلها.
ولا تعد التقارير المتعلقة بإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية داخل قطاع غزة جديدة، إذ تكررت منذ سيطرة جيش الاحتلال على الجزء الجنوبي من القطاع عام 2024. وظلت القضية محورًا للنقاش الإعلامي والعسكري والسياسي، قبل أن تتحول، وفقًا للبيانات المتاحة والصور المتداولة، إلى واقع ميداني يحمل تداعيات أمنية وسياسية بالغة الحساسية، ويضع الأمن القومي المصري والسيادة المصرية أمام اختبار معقد.
القاعدة العسكرية في رفح.. من قرية فلسطينية إلى موقع عسكري إسرائيلي
تشير الإحداثيات الجغرافية إلى أن القاعدة تقع على أنقاض قرية السويدية، عند نقطة التقاء الطرف الشمالي لمحور فيلادلفيا بساحل البحر المتوسط. ومع اندلاع الحرب على غزة، اقتصر استخدام الموقع على نقطة مراقبة مؤقتة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى قاعدة عسكرية يبلغ طولها 110 أمتار وعرضها 85 مترًا، وتضم تحصينات ومساحات مرصوفة ومركبات عسكرية.
وتكشف صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابز» ونظام «كوبرنيكوس» الأوروبي لرصد الأرض، مراحل تدمير قرية السويدية المحاذية للحدود المصرية، ثم إقامة القاعدة العسكرية على أنقاضها.
وأظهرت صور التقطت في أبريل 2024 القرية قبل تجريفها، حيث بدت مجموعة المنازل وشبكة الشوارع الداخلية الممتدة بمحاذاة الساحل بوضوح.
أما الصور الملتقطة في فبراير 2026، فكشفت حجم عمليات التجريف، بعدما أزيلت منازل القرية بالكامل ومُحيت معالمها العمرانية، تمهيدًا لإنشاء منشآت عسكرية في هذا الموقع الحيوي. وبدأت ملامح القاعدة تتضح بصورة أكبر خلال يوليو الماضي.
ووفقًا لمنصة «صحيح مصر» للتحقيقات، التي تتبعت صور القمر الصناعي «سنتينل-2» عبر برنامج «كوبرنيكوس»، تسارعت أعمال الإنشاءات العسكرية بصورة ملحوظة خلال الصيف.
وأظهرت صورة التقطت في 18 يوليو تجريف أرض القرية بالكامل دون ظهور منشآت جديدة، بينما كشفت صور 23 يوليو بدء العمل في إنشاء قواعد خرسانية لمنشأة مركزية داخل الموقع. وفي 25 يوليو، بدت المباني أكثر وضوحًا بعدما اكتمل هيكلها الخارجي.
وبحلول 2 أغسطس، اقتربت أعمال البناء من الاكتمال، وأظهرت الصور مبنى رئيسيًا محصنًا تحيط به سواتر رملية ضخمة على امتداد المحيط الخارجي للقاعدة.
وتعكس هذه التطورات إصرار إسرائيل على إنشاء موطئ قدم عسكري دائم عند نقطة التقاء الطرف الشمالي لمحور فيلادلفيا بساحل البحر المتوسط، وهي منطقة شديدة الحساسية نظرًا إلى قربها من الحدود المصرية.
انتهاك الترتيبات الأمنية مع القاهرة وتهديد مباشر لسيناء
تشير المنشورات والإحداثيات المتداولة إلى أن القاعدة المزمع إنشاؤها تمثل انتهاكًا واضحًا ومباشرًا للاتفاقيات الأمنية المبرمة بين إسرائيل ومصر.
ويتعلق الانتهاك الأول بمعاهدة السلام، التي يقسم ملحقها الأمني المنطقة الممتدة من شرق قناة السويس حتى قطاع غزة إلى أربع مناطق. وتقع ثلاث منها، وهي المناطق «أ» و«ب» و«ج»، داخل الأراضي المصرية، وتسمح بوجود عسكري وفق قيود محددة، بينما تقع المنطقة «د» تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وبموجب المادة الثانية من الملحق الأمني، يقتصر الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة «د» على أربع كتائب مشاة، بحد أقصى 4 آلاف جندي ونحو 180 ناقلة جنود مدرعة، إلى جانب تحصينات ومنشآت عسكرية محددة.
لكن الصور المتداولة تشير إلى إنشاء بنية تحتية عسكرية يُعتقد أنها تستهدف استيعاب أسلحة ثقيلة، مثل الدبابات والمدفعية، وهو ما قد يشكل انتهاكًا واضحًا للترتيبات المنصوص عليها في الاتفاقية.
كما تمثل القاعدة خرقًا لاتفاق فيلادلفيا، الذي وقعته مصر وإسرائيل عام 2005 باعتباره بروتوكولًا أمنيًا ملحقًا بمعاهدة السلام. ونص الاتفاق على الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من محور فيلادلفيا، وتسليم إدارة الشريط الحدودي إلى الجانب الفلسطيني، مقابل نشر قوات حرس الحدود المصرية على الجانب الآخر.
لكن تل أبيب أطاحت بهذه الترتيبات بعدما احتلت قواتها مدينة رفح في مايو 2024، وسيطرت على أجزاء من الممر الحدودي.
وبناءً على ذلك، فإن مجرد اتخاذ خطوات لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في هذه المنطقة يمثل انتهاكًا جديدًا لاتفاق عام 2005، ومحاولة لتغيير الترتيبات الأمنية الحدودية بصورة أحادية، دون موافقة الأطراف المعنية، فضلًا عن مخالفته أحد البنود الأساسية للملحق الأمني لمعاهدة السلام.
وإذا صحت المعلومات المتداولة، فإن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على مسافة تقارب 45 ميلًا من الحدود المصرية يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
وتواجه مصر ضغوطًا متزايدة ومخاطر أمنية متصاعدة منذ اندلاع الحرب على غزة، لا سيما بعد تراجع الحاجز الاستراتيجي الأمامي الذي كان يوفره قطاع غزة وسكانه وقوى المقاومة الفلسطينية، باعتباره امتدادًا للأمن القومي المصري على الجبهة الشرقية.
ومع الحديث عن إنشاء القاعدة، تقترب إسرائيل أكثر من التحول إلى جار مباشر لمصر، بعدما مثّل الوجود الفلسطيني حاجزًا جغرافيًا وأمنيًا بين الجانبين. ويعني ذلك وجودًا دائمًا لقوات الاحتلال على أطراف سيناء وبمحاذاة الحدود المصرية، بما يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر بين القوات المصرية والإسرائيلية. وشهدت الحدود بالفعل عدة حوادث من هذا النوع، أُعلن عن بعضها بينما ظل بعضها الآخر بعيدًا عن التداول الإعلامي.
كما قد يمنح الوجود العسكري الإسرائيلي بالقرب من الحدود المصرية، إلى جانب أبراج المراقبة المرتفعة وأنظمة الرصد والاستطلاع، تل أبيب قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية داخل سيناء من مسافات بعيدة. ويخلق ذلك تحديات أمنية إضافية أمام القوات المصرية المنتشرة في سيناء والمناطق الحدودية، إذ تصبح تحركاتها عرضة للمراقبة المستمرة.
ولا يقتصر التهديد على الحدود، بل يمتد إلى معبر رفح؛ إذ يهدد الوجود العسكري الإسرائيلي بالقرب منه الدورين المصري والفلسطيني في إدارته. وقد يجعل استمرار تشغيل المعبر مرهونًا بالموافقة الإسرائيلية، مع احتمالات إغلاقه أو تعليق العمل به من حين إلى آخر.
ومن شأن ذلك التأثير مباشرة في حركة المساعدات والبضائع والإمدادات المتجهة إلى قطاع غزة، بما يهدد حياة مئات الآلاف من السكان، ويضع القاهرة أمام معضلة سياسية وإنسانية تتعلق بدورها وسيادتها في إدارة المعبر.
كذلك تحمل القاعدة المحتملة تداعيات على مستقبل الهندسة الديموغرافية في قطاع غزة؛ إذ قد يؤدي الوجود العسكري الدائم إلى فرض ترتيبات أمنية أكثر صرامة، وتشديد القيود على حركة السكان، ومضاعفة المعاناة الإنسانية لمن تبقى داخل القطاع.
وقد تزيد هذه الظروف مخاطر التهجير، وتدفع أعدادًا أكبر من الفلسطينيين إلى محاولة مغادرة القطاع بأي وسيلة ممكنة. كما قد يتيح وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية تسيطر على المنطقة الحدودية توفير الترتيبات اللازمة لتنفيذ مثل هذه المخططات بصورة أكثر سهولة وفاعلية.
الانتهاكات الإسرائيلية لم تبدأ اليوم.. كيف تعاملت القاهرة مع التصعيد؟
لا يمكن النظر إلى التوسع الإسرائيلي والانتهاكات المصاحبة له للترتيبات الأمنية مع مصر باعتبارهما تطورًا مفاجئًا بدأ مع إنشاء القاعدة العسكرية في فبراير الماضي، وفقًا لما تشير إليه صور الأقمار الصناعية المتداولة. فهذه الانتهاكات تعود إلى اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، عندما حصل الاحتلال على مساحة واسعة للتحرك دون وجود رادع إقليمي حقيقي أو ضغوط كافية للحد من عملياته.
ومع كل توسع ميداني داخل القطاع، لم يتناسب الرد المصري مع خطورة التطورات، وهو ما شجع الاحتلال على توسيع نطاق انتهاكاته.
وبدأت هذه الانتهاكات بالسيطرة على محور فيلادلفيا، وشملت حوادث استهداف جنود مصريين على الحدود، فضلًا عن سقوط مقذوفات داخل الأراضي المصرية. وانتهى بعض هذه الحوادث باعتذارات إسرائيلية، دون إعلان القاهرة عن تصعيد يتناسب مع حساسية تلك الوقائع.
وشكلت السيطرة الإسرائيلية الرسمية على محور فيلادلفيا عام 2024 اختبارًا مهمًا لرد الفعل المصري، كان من شأنه التأثير بصورة مباشرة في التحركات الإسرائيلية اللاحقة.
لكن الرد المصري لم يفرض ضغوطًا كافية على الحكومة الإسرائيلية، رغم امتلاك القاهرة أوراق ضغط كان من الممكن أن تحدث فارقًا لو استخدمتها. واقتصر الرد في معظمه على التصريحات والتحذيرات عبر القنوات الإعلامية والدبلوماسية، بما في ذلك البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات.
وفي ظل غياب إجراءات أكثر فاعلية، واصلت إسرائيل تصعيدها وتوسيع وجودها العسكري في المنطقة الحدودية، وصولًا إلى الحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية بالقرب من الحدود المصرية.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على مسافة تقارب 43 ميلًا من الحدود المصرية باعتباره ذروة سلسلة من الحوادث والانتهاكات التي أخفقت مصر في ردعها أو وقفها، وهو ما شجع حكومة بنيامين نتنياهو على مواصلة التصعيد وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقد لا يتوقف هذا المسار عند إنشاء القاعدة، بل قد يمتد إلى خطوات أخرى تحمل تداعيات أكثر حساسية وخطورة على الأمن القومي المصري والترتيبات الأمنية الإقليمية.
اختبار بالغ الحساسية للقاهرة.. هل حان وقت استخدام أوراق الضغط؟
تواجه القاهرة حاليًا اختبارًا بالغ الحساسية يتعلق بسيادتها وأمنها القومي. فلم تعد القضية مجرد انتهاكات محدودة يمكن احتواؤها أو معالجة آثارها، بل أصبحت، وفقًا للتقرير، تهديدًا مباشرًا ومعلنًا يعكس تجاهلًا واضحًا لمكانة مصر وتحفظاتها ومطالبها وتحذيراتها خلال الأشهر الأخيرة بشأن التطورات على حدودها الشرقية.
وتمتلك القاهرة عدة أوراق ضغط، تشمل خيارات سياسية تتعلق بمستقبل معاهدة السلام، وإجراءات اقتصادية يمكن أن تتضمن تجميد العلاقات التجارية أو تقليصها، بعدما شهدت توسعًا ملحوظًا خلال الحرب، فضلًا عن الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة عبر المؤسسات الدولية.
لكن مصر لم تستخدم هذه الأدوات حتى الآن بصورة تتناسب مع خطورة الموقف.
وتزداد حساسية الموقف المصري، بحسب التقرير، بالنظر إلى تجارب دول أخرى مثل جنوب أفريقيا، التي لا تواجه تهديدًا إسرائيليًا مباشرًا بالحجم نفسه، لكنها استخدمت المؤسسات والمحاكم الدولية لممارسة ضغوط سياسية وقانونية على تل أبيب.
وتكشف هذه التطورات حدود النهج الدبلوماسي الذي اتبعته السلطات المصرية طوال الحرب، ومدى فاعليته في تحقيق أهداف القاهرة. فعلى مدار العامين الماضيين، واصلت مصر توسيع بعض أوجه التعاون الاقتصادي والأمني مع إسرائيل، بينما امتنعت عن الانضمام إلى مبادرات دولية كان من الممكن أن تزيد عزلة حكومة بنيامين نتنياهو وتفرض عليها ضغوطًا إضافية.
وسواء حدث ذلك عن قصد أو دون قصد، فقد أسهمت هذه السياسة في تخفيف بعض الضغوط على إسرائيل، دون أن تدفعها إلى مراعاة المخاوف المصرية أو احترام الخطوط الحمراء التي حددتها القاهرة بشأن رفح ومحور فيلادلفيا ورفض التهجير.
وتبدو مصر الآن أمام حقيقة مفادها أن سياسة المرونة واحتواء التصعيد لم تحقق النتائج المرجوة، ولم تمنع حكومة نتنياهو من فرض وقائع جديدة على الأرض.
بل ربما فسرت تل أبيب هذا النهج باعتباره اضطرارًا مصريًا للتراجع عن استخدام أوراق الضغط، وخضوعًا سياسيًا للأمر الواقع، بدلًا من كونه رغبة في التوصل إلى تفاهمات والحفاظ على الاستقرار.
ويختتم التقرير بطرح تساؤل بشأن مدى استعداد القاهرة لتغيير نهجها في التعامل مع التصعيد الإسرائيلي، وما إذا كانت ستنتقل من سياسة الاحتواء والتحذيرات الدبلوماسية إلى استخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والقانونية المتاحة لديها، دفاعًا عن أمنها القومي وسيادتها على حدودها الشرقية.
https://www.noonpost.com/en/387095/amp/

